سيد محمد طنطاوي
27
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد بالعباد : أولئك الذين كذبوا الرسل ، وآثروا العمى على الهدى ، ويدخل فيهم دخولا أوليا أصحاب تلك القرية المهلكة . والمقصود من الآية الكريمة ، التعجب من حال هؤلاء المهلكين ، وبيان أن حالهم تستحق التأثر والتأسف والاعتبار ، لأنها حالة تدل على بؤسهم وظلمهم لأنفسهم وجهلهم . والمعنى : يا حسرة على العباد الذين أهلكوا بسبب إصرارهم على كفرهم احضرى فهذا أوان حضورك ، فإن هؤلاء المهلكين كانوا في دنياهم ما يأتيهم من رسول من الرسل ، إلا كانوا به يستهزئون ، ويتغامزون ، ويستخفون به وبدعوته ، مع أنهم - لو كانوا يعقلون . لقابلوا دعوة رسلهم بالطاعة والانقياد . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ . . . ) * نداء للحسرة عليهم ، كأنما قيل لها : تعالى يا حسرة فهذه من أحوالك التي حقك أن تحضرى فيها ، وهي حال استهزائهم بالرسل . والمعنى : أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون ، ويتلهف عليهم المتلهفون . أو هم متحسر عليهم من جهة الملائكة والمؤمنين من الثقلين . وقرئ : يا حسرة العباد ، على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم ، من حيث إنها موجهة إليهم « 1 » . أي : يا حسرة العباد منهم على أنفسهم ، بسبب تكذيبهم لرسلهم ، واستهزائهم بهم . ثم وبخ - سبحانه - كفار مكة ، بسبب عدم اعتبارهم بمن سبقهم فقال : * ( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ ) * . والقرون : جمع قرن . وهم القوم المقترنون في زمن واحد . و « كم » خبرية بمعنى كثير . أي : ألم يعلم كفار مكة أننا أهلكنا كثيرا من الأمم السابقة عليهم ، بسبب إصرارهم على كفرهم ، واستهزائهم برسلهم ، وأن هؤلاء المهلكين لا يرجعون إليهم ليخبروهم بما جرى لهم ، لأنهم لن يستطيعوا ذلك في الدنيا ، لحكمة أرادها اللَّه - تعالى - . ولكن الجميع سيعودون إليه - سبحانه - وسيبعثهم يوم القيامة من قبورهم للحساب والجزاء ، كما قال - تعالى - : * ( وإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ ) * . و « إن » حرف نفى ، و « كل » مبتدأ ، والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 13 .